• ×

09:30 صباحًا , السبت 2 مارس 2024

شهوان عبدالرحمن آل علي

الطريقة الصحيحة لصلاح الأبناء

شهوان عبدالرحمن آل علي

 0  0  201
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
في الأحاديث اليومية بالمجالس الخاصة والعامة يتحدث كثير من الناس عن صلاح الأبناء وفسادهم، وتجد بعض هؤلاء يدلي بآراء فجة من خلال أفكار معوجة، دون أن يدقق في معنى ومغزى ما يقول، ولكنه غالباً يستمدّ رأيه من رؤية شخصية بحتة تولدت من حب أو كراهية لشخص معين، يكون إبنه إما صالحاً أو فاسداً، ومن خلال تلك العلاقة يحكم على الواقع. ومثل هذه الآراء لا تصيب كبد الحقيقة ولا تمت للواقع بصلة وتكون مجرد هوى في النفس. لا يتعدى أثرها أرنبة أنف قائلها.
لا أحد ينكر مدى أهمية ودور الأسرة بكاملها في صلاح الأبناء أو فسادهم، فالآباء والأمهات لهم تأثير كبير على الأبناء وهم مسؤولون شرعاً عن رعاية وتربية الأبناء، فقد قال الله عزّ وجل:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ. ] وهذه الوقاية المطلوبة تقع مسؤولية القيام بها على الأب والأم متضامنين في النهوض بهذه المهمة، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:[ كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٍ عن رعيته.] ثم قال صلى الله عليه وسلم:[ والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها.] ومن هنا فالمسؤولية لا تنفك عن الأب والأم في رعاية وتربية الأبناء. وهذا أمر لا يختلف فيه عاقلان، لكن الثابت إن الإختلاف يقع كثيراً بين الناس وتتباين في ميدانه الآراء وذلك حول مدى مسؤولية الأب أو الأم في تحقيق النتيجة. وهذا ما نعنيه هنا بهذه المقالة.
فالصلاح والفساد والهداية والغواية تتحقق بطريقة أخرى ليست من مسؤولية الأب أو الأم، فمتى تم القيام بواجب عمل الأسباب من قبل الآباء والأمهات، فإن النتائج تتعلق بمشيئة الله سبحانه وتعالى دون غيره. ومن يقول بغير ذلك فهو واهم ويتعدى على الحقيقة بل يتعدى على نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية في هذا الشأن، ولكن بعضهم يريد أن ينسب النتيجة الإيجابية في حالة الصلاح إلى الأب إذا كان يحبه أما إذا كان يكرهه فإنه يجعل مسبة النتيجة السلبية لهذا الأب وأنه لا يعرف كيف يربي أولاده، ويكيل له من المذمات ما لا تحتمله ظهور الإبل.
وأصحاب هذه الآراء كما قلنا يتجاوزون نصوص الشريعة ويتناسونها ولا يقفون عندها، ويغفلون عمداً أو جهلاً عن الأحداث والوقائع في هذا الجانب. فكما هو معلوم من نصوص القرآن الكريم أن ثلاثة من الرسل الكرام من أولي العزم عليهم جميعاً الصلاة والسلام، عجزوا عن تحقيق النتيجة في مجال إصلاح وهداية من يحبون ويسعون له بالخير، فسيدنا نوح لم يستطع أن يحقق النتيجة المطلوبة لهداية إبنه بل إن إبنه عصاه حتى في إنقاذ نفسه من الغرق، وكابر ولم يستمع لنداء أبيه، فذهب مع الهالكين المغرقين. وسيدنا إبراهيم لم يألوا جهداً ولم يدخر وسعاً في محاولة هداية أبيه ودعوته لعبادة الله عز وجل وحده لكنه لم يفلح في تحقيق النتيجة، وتبين له أنه عدو لله فتبرأ منه كمال قال الله جل جلاله:[ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ. ] وبالتالي فلم يقدم أو يؤخر عمل إبراهيم في هداية أبيه بل هلك مع الهالكين وضل مع الضالين. وهذا سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم كان حرصه شديداً على إسلام عمه أبي طالب وراح يدعوه إلى الإسلام بكل طريقة فلم يحقق النتيجة، رغم أن محمد صلى الله عليه وسلم كان يحب عمه حباً شديداً، وعمه يبادله ذات المحبة وكان يدافع عن النبي ويتحمل عنه كثير من المتاعب والمشقة أمام قريش رغم إختلاف الديانة بينهما. ولم ييأس محمد صلى الله عليه وسلم من إسلام عمه حتى وهو في فراش الموت فيقول له:[ أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. ] فلم يقلها أبو طالب ولم يحقق سيد البشر الغاية والهدف، وفي النهاية ذهب أبو طالب مع بقية المعاندين لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا قال الله سبحانه وتعالى في هذا:[ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. ] فهذه هي القاعدة العامة وطريق الهداية للبشر كلهم فتكون من الله تعالى، وما علينا كبشر إلا أن نقوم بواجبنا تجاه الأبناء وتوجيههم ونصيحتهم وإرشادهم وبيان الخطأ من الصواب لهم، وندعو لهم من الله بالصلاح والهداية والتوفيق.
والواقع يشهد وينطق بأن على الإنسان القيام بالأسباب أما النتائج فالله تعالى يحددها، ألا ترى التباين والإختلاف الكبير في حال كثير من الأبناء وهم أشقاء تربوا في بيت واحد على يد رجلٍ واحد وإمرأة واحدة، فيكون هذا صالحاً والآخر فاسداً.
فعلى هؤلاء المنظرين أن يراجعوا نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية قبل أن يخوضوا في أمور لا يدركون حقيقتها، وهم يظنون أنهم على شيء وهم يبتعدون عن الحقيقة كبعد الثرى عن الثريا.
نسأل الله عز وجل أن يصلح لنا ولكم النية والذرية وأن يبارك لنا في ذريتنا. وأن لا يجعل منهم عاصياً أو شقياً.

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:30 صباحًا السبت 2 مارس 2024.